محمد الريشهري
222
موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ
السائل وأجزل لعطاء الآمل . وربّما سألت الشيء فلا تُؤتاه وأُوتيت خيراً منه عاجلاً أو آجلاً ، أو صُرِف عنك لما هو خيرٌ لك . فلربّ أمر قد طلبته فيه هلاك دينك لو أُوتيتَه . فلتكن مسألتك فيما يبقى لك جماله ويُنفي عنك وباله ، فالمال لا يبقى لك ولا تبقى له . واعلم أنّك إنّما خلقت للآخرة لا للدّنيا ، وللفناء لا للبقاء ، وللموت لا للحياة ، وأنّك في منزل قلعة ( 1 ) ودار بُلغة ( 2 ) وطريق إلى الآخرة ، وأنّك طريد الموت الذي لا ينجو منه هاربه ، ولابدّ أنّه مدركه ، فكن منه على حذر أن يدركك وأنت على حال سيّئة ، قد كنت تُحدّث نفسك منها بالتّوبة فيحول بينك وبين ذلك ، فإذا أنت قد أهلكت نفسك . يا بُنيَّ ، أكثر من ذكر الموت ، وذكر ما تهجم عليه ، وتُفضي بعد الموت إليه ، حتى يأتيك وقد أخذت منه حذرك ، وشددت له أزرك ، ولا يأتيك بغتةً فيبهَرك . وإيّاك أن تغترّ بما ترى من إخلاد أهل الدنيا إليها ، وتكالبهم عليها ، فقد نبّأك الله عنها ، ونعت لك نفسها ، وتكشّفت لك عن مساويها ، فإنّما أهلها كلابٌ عاويةٌ ، وسباعٌ ضاريةٌ ، يهرّ بعضها بعضاً ، ويأكل عزيزُها ذليلَها ، ويقهر كبيرُها صغيرَها . نَعَمٌ مُعقّلَةٌ ، وأُخرى مهملةٌ ، قد أضلّت عقولها وركبت مجهولها . سروحُ عاهة بواد وعث ( 3 ) ، ليس لها راع يُقيمها ، ولا يُسيمها . سلكت بهم الدنيا طريق العمى ، وأخذت بأبصارهم عن منار الهدى ، فتاهوا في حيرتها ، وغرقوا في نعمتها ، واتّخذوها ربّاً ، فلعبت بهم ولعبوا بها ونسوا ماوراءها .
--> ( 1 ) قُلعة : أي تَحَوُّل وارتحال ( النهاية : 4 / 102 ) . ( 2 ) بُلْغةٌ : كِفايةٌ ( لسان العرب : 8 / 419 ) . ( 3 ) الوَعْث : وهو الرَّمْلُ ، والمشيُ فيه يَشْتدّ على صاحبه ويَشُقُّ ( النهاية : 5 / 206 ) .